الشيخ محمد النهاوندي

40

نفحات الرحمن في تفسير القرآن

الناس أنفسهم عليها ، ويسكنوا إلى أمر اللّه ونهيه [ فيها ] ، وكان ذلك من [ فعل اللّه عزّ وجلّ على وجه ] التدبير فيهم أصوب وأقرب لهم إلى الأخذ بها ، وأقلّ لنفارهم منها » « 1 » . أقول : ولعلّه إلى جميع الوجوه المذكورة أشار سبحانه وتعالى بقوله : وَنَزَّلْناهُ تَنْزِيلًا « 2 » . روي عن ابن عبّاس رضى اللّه عنه قال : أخذ موسى الألواح بعد ما سكن « 3 » عنه الغضب ، فأمرهم بالذي أمر اللّه أن يبلّغهم من الوظائف ، فثقلت عليهم وأبوا أن يقرّوا بها حتّى نتق اللّه عليهم الجبل كأنّه ظلّة ، ودنا منهم حتّى خافوا أن يقع عليهم ، فأقرّوا بها « 4 » . أقول : لعلّه من الآصار التي كانت على بني إسرائيل أنّه نزلت التوراة على موسى دفعة ، وحمل عليهم جميع التكاليف بدوا ، فصار ثقيلا عليهم ، فأبوا عن قبولها . الطرفة الخامسة في أنّ جمع القرآن كان في عصر النبي صلّى اللّه عليه وآله وبأمره الحقّ الذي لا ينبغي أن يعرض عنه ، هو أنّ جمع القرآن كان في عصر النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وبأمره لشهادة الآثار ، وحكم العقل ، ومساعدة الاعتبار . [ أولا ] : أمّا الآثار فقد روي عن ابن عبّاس ، قال : قلت لعثمان : ما حملكم [ على ] أن عمدتم إلى الأنفال وهي من المثاني ، وإلى براءة وهي من المئين ، فقرنتم بينهما ولم تكتبوا بينهما سطر بسم الله الرحمن الرحيم ووضعتموهما في السبع الطوال « 5 » ؟ فقال عثمان : كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله تنزل عليه [ السور ] ذوات العدد ، فكان إذا نزل عليه الشيء دعا بعض من كان يكتب فيقول : ضعوا هذه الآيات في السورة التي يذكر فيها كذا وكذا ، وكانت الأنفال من أوائل ما نزل بالمدينة ، وكانت براءة من آخر القرآن نزولا ، وكانت قصّتها شبيهة بقصّتها ، فظننت أنّها منها ، فقبض رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله ولم يبيّن لنا أنّها منها ، فمن أجل ذلك قرنت بينهما ولم أكتب بينهما سطر

--> ( 1 ) . الكافي 6 : 407 / 2 . ( 2 ) . الاسراء : 17 / 106 . ( 3 ) . في الاتقان : سكت . ( 4 ) . الإتقان في علوم القرآن 1 : 154 . ( 5 ) . قيل : السبع الطوال هي السبع الأول بعد الفاتحة ، والمئين من سوره الإسراء إلى سبع سور ، سميت بذلك لأنّ كلّ منها على نحو مائة آية ، والمثاني بقية السور . تفسير الصافي 1 : 18 ، وراجع : الطرفة ( 13 ) .